محمد جواد مغنية

79

في ظلال نهج البلاغة

المعنى : ( يا أشباه الإبل غاب عنها رعاتها كلما جمعت من جانب تفرقت من آخر ) . للراعي وظيفة ، وهي ان يجمع الإبل وغيرها من الأنعام في مرعى واحد بحيث تكون بكاملها منه بمرأى ، فإذا شتّ واحد منها عن القطيع ارجعه اليه . . فإن غاب الراعي تفرق القطيع أيدي سبأ ، وصار نهبا لكل طامع وجائع . . وهذه هي بالذات حال أصحاب الإمام ( ع ) لأن تمردهم على أمره جعلهم كالإبل بلا راع ، والرعية بلا أمير ، يطمع فيهم القريب والبعيد ، والقوي والضعيف ، وتقدم مثله في الخطبة 33 . ( واللَّه لكأني - إلى - قبلها ) . لم يكن الإمام واثقا بالكثير من أصحابه بالنظر لسيرتهم معه . . حتى كان يظن أو يعتقد انهم يتركونه وحيدا في الميدان إذا تجددت الحرب بينه وبين معاوية ، أو يسلمونه إلى عدوه ، وتقدم الكلام عن ذلك في الخطبة 33 ( واني لعلى بينة من ربي ، ومنهاج من نبيي ) أعتمد على كتاب اللَّه وسنّة نبيه فيما أقول وأفعل ، وتقدم مع الشرح قوله في الخطبة 4 : ما شككت في الحق مذ أريته ( واني على الطريق الواضح ألقطه لقطا ) . أي ان الإمام يستخرج الهدى من بين الأضاليل ، ويميز الحق عن الأباطيل . ( انظروا أهل بيت نبيكم فالزموا سمتهم ، واتبعوا آثارهم ) . لأنهم مطهرون من الرجس بنص الآية 22 من سورة الأحزاب ، وهم عدل القرآن كما نطق وصرح حديث الثقلين ( فلن يخرجوكم من هدى ، ولكن يعيدوكم في ردى ) . كيف وهم هداة الخلق إلى الحق ، وخزنة العلم وحفظة الدين ( فان لبدوا فلبدوا ، وان نهضوا فانهضوا ) فإنهم أعلم منكم بمواقع الصبر والنهوض ( ولا تسبقوهم ) إلى بيان الحق والشريعة ( فتضلوا ) على نهج السبيل ( ولا تتأخروا عنهم ) أي عن متابعتهم ( فتهلكوا ) وأنتم ظالمون . وتقدم الكلام عن ذلك مرات ، آخرها في الخطبة 91 . ( لقد رأيت أصحاب محمد ( ص ) إلخ ) . . من البداهة ان الجيل اللاحق امتداد للجيل السابق في كثير من العادات وأسباب الحياة ومن هذه الأسباب والعادات ما يصلح لزمان دون زمان ، ومنها ما يصلح وينفع في كل زمان ومكان من غير استثناء ، وعلى العاقل أن يميز بين هذه وتلك ، ويختار الأصلح ، فلا يلتحم مع الماضي بكل ما فيه ، ولا ينفصم عنه بالمرة ، ويغلق دونه جميع النوافذ .